Saturday, 29 March 2008
يوم مع الروائي المغربي الميلودي شغموم
كما تمت الإشارة إلى ذلك ، قبل أيام ، شهدت كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، بنمسيك سيدي عثمان ، يوما دراسيا في مجمل الأعمال الروائية التي كتبها شغموم على مدار أربعة عقود .
وفيما يلي تقرير عن هذا اليوم الدراسي :
الرواية صوت الحياة
( حول الأعمال الروائية للميلودي شغموم)
· علاء نعماني
في الساعة التاسعة والنصف من يوم الجمعة 25 مارس 2008 ، بقاعة الندوات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء وسط جو ربيعي دافئ..بحضور الكاتب الروائي الميلودي شغموم ، كعادته بشوشا وواثقا ، إلى جانب عدد من المبدعين والباحثين والنقاد والطلبة والقراء عموما ...التأمت أشغال الندوة الوطنية حول المتن الروائي لشغموم ،والتي نظمها مختبر السرديات.
|
|
|
الساحر ومراياه
وقد افتتح شعيب حليفي ( رئيس مختبر السرديات ، الجهة المنظمة)اللقاء بإعطاء الكلمة لعبد القادر كنكاي نائب عميد الكلية والذي أشار الى أهمية الفعل الثقافي والجامعي ضمن الأنشطة البحثية ، كما تطرق إلى تجربة الميلودي شغموم باعتباره واحدا من الروائيين المغاربة الذين صاغوا الوجدان المغربي ورسموا خريطة متخيلنا الجمعي.
في كلمة شعيب حليفي قدم ورقة تمهيدية تحدث فيها عن السرد الروائي عند شغموم الذي يدخل ضمن حلقة نقدية، هي مشروع لقراءة الرواية المغربية والمشاريع التأسيسية في تجربتها الممتدة لعقود .واعتبر الميلودي شغموم واحدا من مؤسسي صرح السرد المغربي الحديث، يكتب الرواية والقصة منذ أربعة عقود، ومنذ البداية وهو يجيد تحبيك الحكايات بأنفاس المبدعين المجددين .. لأنه يمتاز بقدرته على أن يولد مع كل نص جديد ، بفضل صياغته لملامح المراحل عبر وسمها بفكره وترويضها بجرأته التي تجري في اللغة وفي الدلالات التي يزندها زندا. وهو، كما يقول عن نفسه، مختصرا مساره المهني :(مؤكد أني ولدت يوم 12 ربيع الأول فسميت الميلودي والباقي كله ظن، وإن كانت ذاكرة شيوخ الأسرة ، خاصة النساء، تضع هذه الواقعة بين 1947 و 1950، أنا الآن متقاعد، في إطار المغادرة الطوعية، بعد 39 سنة من العمل. بدأت التدريس معلما موقتا للفرنسية سنة 1966 ثم حصلت على باكالوريا آداب عصرية وتخرجت من مركز تكوين أساتذة السلك الأول فرنسية سنة 1974 ثم نلت إجازة في الفلسفة سنة 1975 ودبلوم الدراسات العليا سنة 1982 فالتحقت بكلية الآداب بمكناس كمدرس وفيها هيأت دكتوراه الدولة سنة 1990 ومنها خرجت متقاعدا سنة 2005 بوضعية أستاذ التعليم العالي.)
لذلك يكتب، شغموم، بمخيلة عابرة للزمن، نصوصا سردية نسجت، وما تزال، حكايات مغربية لا تعكس ولا تنوب عن أحد، وإنما تؤسس لتخييل يولد حالات من الواقع والتوقع.
يقول عن نفسه: ( لقد عشت، والله ما تركت فرصة حقيقية تمر بدون أن أستغلها، ولو تعلق الأمر فقط بفيلم أو قصيدة أو أغنية: إني من أنصار استغلال كل الإمكانات التي تمنحها الدنيا؛ الفائدة والمتعة في كل شيء، حتى في العمل، أي عمل ليس فيه فائدة، أو إفادة، ومتعة يؤدي إلى الشقاء.)
ويضيق شعيب حليفي بأن شغموم كاتب روائي فضل الانتماء إلى الإنسان عوض مدرسة أو تيار لافت، ومن ثم فقد أعار صوته للأصوات التي لم تجد أبدا من يسمعها أو ينوب عنها..لقد اختار أن يكون بكتاباته المنحازة إلى التخيييل المعقلن أن يكون روائيا وليس عرافا. أن يكون مبدعا وليس ملفقا، ثائرا يثأر بالكتابة من زيف اللغات والحقائق. يزاوج بين الكتابة والتفكير. بل يشتغل بالتفكير في الحكي، و بالحكي في التفكير... ضمن انشغال متعدد بالكتابة في السرد والفكر والترجمة والدرس الجامعي. يقول شغموم عن نفسه: (لقد بدأت في النشر، على حسابي، سنة 1972 بمجموعة قصصية متواضعة، لكني بفضلها دخلت إلى اتحاد كتاب المغرب، عنوانها أشياء تتحرك ثم نشرت بعض القصص على صفحات الجرائد والمجلات المغربية قبل أن تصدر لي روايتان، الضلع والجزيرة 1980 ، ببيروت، في كتاب واحد وتتبعهما رواية ثالثة، الأبله والمنسية وياسمين، عن دار أخرى ببيروت، قابلها النقاد باحتفاء كبير، وكانت كلها قد كتبت قبل 1980 ثم جاءت ترجمتي لكتاب هنري بونكري، قيمة العلم 1982 ، وكتابي عن الوحدة والتعدد في الفكر العلمي الحديث، عن دار التنوير ببيروت كذلك، وكانت قد صدرت لي قبل هذا الأخير مجموعة قصصية، سفر الطاعة، عن اتحاد كتاب العرب بدمشق. وتوالت الروايات، مرورا بعين الفرس المقررة في برامج الثانوي، ومسالك الزيتون، وشجر الخلاطة، وخميل المضاجع، ونساء آل الرندي التي نالت جائزة الدولة للكتاب وحولت إلى فيلم تلفزي من ثلاث حلقات، والأناقة، وانتهاء بأريانة ثم المرأة والصبي، وقد جمعت الروايات، غير أريانة و المرأة والصبي ، من طرف وزارة الثقافة المغربية في ثلاثة مجلدات تحت عنوان الأعمال الروائية الكاملة كما ترجمت بعض هذه الروايات، جزءا أ وكلا، إضافة إلى بعض القصص إلى الفرنسية والإسبانية والألمانية.)
ويختم رئيس مختبر السرديات كلمته التقديمية مؤكدا أن شغموم روائي خبير في صوغ التأملات والقضايا والظواهر ضمن تخيييلات ومرايا مغامرة، تجازف بالبديهي لصالح التجديد، وتشكيل رؤية وهوية وصوت.. كل ذلك من خزائن شغموم السرية والمعلنة: من المحلي والشخصي إلى العالمي، من الأشياء البسيطة إلى النظريات الكبرى (والثقافات).. يعبر بوثوق الكاتب ويبحر في كل الأزمنة مجربا الأساليب وتوظيفات تبني خصوصية متخيله وذوق تأملاته ودينامية شخوصه ورموزه وأمكنته وآفاق التأويلات.
صباح الخير أيتها الحكايات
افتتح عثماني الميلود الجلسة النقدية الأولى بمداخلة حول ("مسالك الزيتون " والتعدد كقيمة سردية وجمالية) هادفا " إلى إثبات صحة الفرضية التي تقول أن لا وجود للمفرد والواحد،وأن المتعدد هو الأساس الإدراكي والمعرفي لأي ممارسة فنية أو أدبية أو علمية . ويبرز التعدد ، في الرواية باعتباره سياقيا وتداوليا وحكائيا ، يتجلى في : تعدد مرجعي تمتح منه الرواية، وتعدد المضمون الروائي،وتعدد الأشكال السردية الموظفة،وتعدد الصيغ الحكائية.
وأشار الباحث أيضا انه بفضل بحوث باختين وأورباخ ودريدا يمكننا اليوم، أن نزعم أن الواقعية الأدبية هي واقعة قابلة لأن تعالج ، بشكل ملموس وقياسي،على العكس من النداءات التي طالما بشرت بموت الأدب منذ بلانشو إلى تودوروف . ودعا هذه الواقعية الأدبية الغنية والمتنوعة بالمتعدد الأدبي . مفسرا انه يمكن ضم وتقريب مجموعة نصوص أدبية كبرى ، لكونها تتجاوب فيما بينها ، بشكل مثير للاستغراب ، رغم الفروق الجوهرية في مصادرها ورؤيتها . وهي نصوص طالما وظفنا مصطلحات نظير البوليفونية ، والتعدد الدلالي والتجانسية .. وهكذا كان النقد الأدبي يشتغل كما لو أن المتعدد يمكن ردُّهُ ، رغم الصعوبات ، إلى الواحد "ضمير المتكلم الثابت"(كاتب النص ). تماماً كما لو أن الإيحاء المتعدد، والتعدد الأسلوبي لهذا الأخير ليس إلا حصيلة إسراف إبداعيٍّ (Profusion Créatrice) . لكن باختين جعل من أهدافه دراسة المتعدد الأدبي في ذاته، لأنه حامل لدلالة ، والدلالات خاصة . ويمكن أن نلمس أهمية بحوثه في وقوفه على حالات محدودة للتعدد : رابلي ودوستويفسكي.
إن التعدد الذي نتخذه فرضية لهذه المداخلة –يقول الباحث- يقوم على وسم "مسالك الزيتون" بالتشتت الخلاق الذي يمنح القارئ المتعةَ وصقل تفكيره. بهذا التعدد ستحدث هذه الرواية ثقباً هائلا في الذوق "الكلاسيكي". إن التعدد ، عندنا ، أوسع مما قاله باختين وأورباخ وكريستيفا وأوزفالد ديكرو، لأن التعدد الذي نقصده لا يفصل بين الأدبي والفكري، التخييلي والإبستيمي . فالرواية هي تفكير في التخييل، وتخييل يفكر في العالم .فسطحيا تبدو مسالك الزيتون كرواية يستعان في بنائها اعتمادا على عناصر أوطوبيوغرافية لشخصية الكتابة ، وتطبيقاً دقيقا لخلفية نظرية وثقافية هائلة ، واستعادة حادة وقاسية لسنوات الألم والخوف والرعب،وتوقا إلى خلق أثر أدبي متميز ينزاح ، بمقدار ملموس، عن أشكال الكتابة وصيغ التعبير وطرائق السرد وطبيعة اللغة ،عما يعتبر نصوصا روائية تقليدية . هذا ما تمنحه مسالك شغموم للقارئ العادي، لكن مسالك الزيتون تخفي نظرة مختلفة لكل ذلك من خلال :
1-وجهة نظر روائية مختلفة سواء في دلالاتها أو أبنيتها وطرائق السرد.
2-تعدد مرجعيا يتمثل في تعدد الأنساق التي تمتح منها مسالك الزيتون.
3-تعدد الأشكال السردية التي أتاحت للرواية خلق أنزياح مرئي وملموس قياسا مع الرواية التقليدية التي كتبت خلال بداية السبعينات خاصة.
4- تعدد الصيغ الحكائية التي مكنت النص الروائي من الانفتاح على السيري والواقعي والرمزي والصوفي والعجائبي والأدبي والفقهي، بقصد هضمها وتحويلها إلى جزء من النسيج العام ، سعيا إلى خلق أسس رومانسكية عربية بديلا لأسس الرومانيسك الغربية .
وتلاه عبد المجيد نوسي بمداخلة موسومة ب"البناء الروائي في رواية نساء آل الرندي" مؤكدا أن الرواية تتأسس على مجموعة من المقاطع والتي لا يمكن فهم بنائها إلا من خلال الربط والتراكب بين مقاطعها. كما أبرز أن السارد يرصد ويشخص التحولات السوسيوثقافية المتسارعة في مسارات الشخصيات وهي تحولات كارثية في غالب الأحيان في علاقة بمجموعة من المفاهيم. كما بين أن بناء الرواية يتم من خلال لغة متعددة محملة بمعرفة فلسفية ونفسية بالعوالم السردية والقضايا والشخصيات. لغة توظف عدة مقولات معرفية أهمها مقولة المدنس والمقدس.
أما عبد الحق لبيض فقد تدخل بقراءة موسومة ب"انتصار الحكي على المسخ في رواية شجر الخلاطة" مؤكدا أن تتوسل بكتابة روائية تعلن صرختها ضد صمت المعيش، ومقاومة المسخ الذي يصير إليه الواقع والقيم عبر الحكي، وحتى لو استحال إلى هذيان فهو أفضل من الصمت. مما جعل الرواية تتراوح بين الهواجس الفكرية الأكاديمية وبين هواجس الذات وعلائقها بالتاريخ والأسطورة. كما بين أن الرواية تتعمد خلق التباس لدى القارئ لما تُحول السرد إلى هذيان انسجاما مع هذيان الواقع. إضافة إلى جعل الحوار يحتوي السرد ويراقبه على عكس ما هو معهود.
وحول (التخييل الأسطوري في رواية"الأناقة") توقف الحبيب الدائم ربي عند الجانب الأسطوري في رواية الأناقة على مستويين، مستوى الانبناء المعماري للمتن الحكائي ، من جهة، والمستوى الأطروحي من جهة أخرى، متوقفة عند تجليات التخييل الأسطوري المختلفة، وتوالده التكراري عبر تنويعات عدة، بما هو استعارة متدرجة من المجرد نحو المشخص، ومن اللامعقول إلى المعقول، ومن الخرافة إلى التاريخ،مع ما يراقف هذا العبور من تشييد دلالي يتغيا خلق الأساطير ( القديمة والجديدة)و تفكيكها في آن.
أما المداخلة الأخيرة في الجلسة الصباحية فقد قدمها عبد اللطيف محفوظ وكانت تحت عنوان " الميتا سرد في رواية عين الفرس" وقد افتتحها بفرش نظري أشار فيه إلى مفهوم "الميتا سرد" في الكتابات الغربية والعربية. وانتهى إلى تحديد كيفية توظيفه له في مداخلته، باعتباره كل تفكير نسقي في مجمل أطوار الكتابة السردية، والتي تدخل بوعي في تكوين النص الروائي. معتبرا من ثمة أن رواية الفرس هي رواية الميتا سرد بامتياز، نظرا لكون مادتها الدلالية تتخلق في قسمها الأول من سجال بين السارد الذي هو في نفس الوقت مؤلف حكايتها، والمسرود لهم المفترضين، موضحا كيف أن السرد ينبني انطلاقا من الجدل حول الكتابة انطلاقا من فكرة جاهزة في الذهن والكتابة العفوية التي تفرز في النهاية الفكرة. وقد ختم قراءته لهذا القسم بتحليل الامكانات الدلالية التي تؤشر عليها، حيث انتهى إلى اعتبار الاختلاف بين الشكلين أيقونة على الاختلاف النظري حول كتابة الرواية، هل هي عملية إنتاجية تعتمد منذ البداية على خطاطة مضبوطة، أو أنها فقط كتابة إبداعية تقودها الموهبة الفذة لكي تنتج في النهاية شكلها الدال.
أما القسم الثاني من الرواية فقد ربطه بإدماج النقاشات النظرية حول علاقة المؤلف بنصه وامكانية انقلات دلالات النص من مقصدياته، ثم كيف يتحول النص في أذهان المتلقين إلى خطاب مخالف تماما لنوايا المؤلف، وخصوصا كيف يمكن للعالم الممكن للنص أن يتطابق مع عالم فعلي ما. معتبرا أن هذه الأسئلة النظرية هي التي شكلت مادة القسم الثاني.
وقد خلص عبد اللطيف محفوظ في ختام مداخلته إلى تقديم تحليل سيميائي للمناطات الأساسية التي تضمنها الميتا سرد في رواية (عين الفرس) حيث وقف كثيرا عند العنوان والبداية والتحبيك والصوغ السردي ومجرة مؤولات الأدلة الملغزة..
المتخيل والخطاب
في الجلسة الزوالية ، تحدث نور الدين صدوق،رئيس الجلسة ، عن تموقع شغموم روائيا وأهمية التراكم الذي حققه.ليعطي الكلمة للناقد عبد الرحمان غانمي الذي قدم ورقة بعنوان (المرأة والصبي: تعدد أبعاد تسريد الذات) مبرزا كيف أن شغموم يرتاد عوالم تخييلية جديدة على خلفية ما كتبه وما يكتبه، حيث تتبدى صور تشخيصية تنهض بهز أركان الحكي والحكاية، التي لا ترسو على شاطئ، إذ كلما لامست مستوى ما أو طبقة تخييلية معينة، إلا وتلاشت تلابيب الشخصيات ونواصي الأحداث، والحوارات، في رحلة روائية حكائية سردية من الرباط إلى المحمدية والدار البيضاء ومن تم إلى مراكش والصويرة والجديدة، وهي الرحلة التي تتمظهر مكانيا وزمانيا، كي يلغي بعضها البعض أو تغوص في أسرار غامضة، مثلما تتباين هواجس الشخصيات، في هذه الرحلة التي تتقمص البحث عن لوحة تشكيلية أو الفنان العجوز أو عن شيء مجهول، وهي أي الشخصيات إذ تتقاسم أشواطا من الحياة وعبورا وانتقالا في الزمان والمكان، تعجز عن الانخراط في "الشراكة" النفسية والوجدانية والثقافية المتقلبة والمترسبة، دون أن يتعثر الحكي في الخوض في هذا المجهول الذي يؤسس، لحكايات لم تكتب بعد.
وانطلق رشيد الإدريسي في مداخلته (النص المفتوح وقراءة الألغاز أو"أريانة" والتوظيف الحكائي للتصوف)من كون كل نصوص الروائي الميلودي شغموم تنطوي على جانب هام من اللامعقول؛ بحيث تفسح المجال للعناصر العجائبية التي تنفلت من قيود المنطق لكي تشارك في صنع أحداث الرواية وتتحكم في مصائر الشخوص وتوجهها، مشيدة بذلك ما يشبه الأسطورة المعاصرة التي تجري أحداثها في العالم الواقعي حسب قواعد وشروط يوظف فيها الكثير من آليات التصوف والتفكير العرفاني بصفة عامة.
وهذه التقنية في الكتابة- يضيف رشيد الإدريسي- تعطي لإبداعات الميلودي شغموم نكهة خاصة، كما تفرض على المتلقي تغيير عناصر أفق انتظاره وتوقع مواجهة الكثير من الألغاز. كما تضفي على النص نوعا من التعقيد شديد العمق، يتطلب من القارئ بذل جهد تأويلي مضاعف للإمساك بالدلالات المستترة التي لا تقرأ إلا فيما بين السطور.ورواية "أريانة" نموذج واضح لذلك، إذ يمكن اعتبارها نصا مفتوحا بشكل مقصود، وهو ما نلمسه من خلال أسلوب الكتابة ومن خلال عتبات النص (العنوان الاستهلال...) وكذا من خلال أسماء الشخوص وصفاتهم وتحولاتهم والرموز التي تؤثث عوالمهم ...والتي تكشف عن توظيف مجموعة من عناصر التراث وتقنيات الرواية الحديثة، من شأن الوقوف عليها إضاءة النص والكشف عن الكثير من أسراره.
في بداية مداخلته الموسومة "سؤال الحكاية والرواية في رواية الأبله والمنسية وياسمين" عمل بوشعيب الساوري على تأطير رواية الأبله والمنسية وياسمين ضمن المشروع الروائي للميلودي شغموم. الذي أكد أنه ينقسم إلى مرحلتين؛ مرحلة مساءلة الحكاية وإعادة إنتاج المتخيل وتحريره بما يتيحه من إمكانات ومساحات، ومرحلة الانفتاح على الواقع اليومي والغوص فيه ويعيد بناءه روائيا بوجدانه وأرق أسئلته. مثبتا أن الرواية المدروسة تدخل ضمن المرحلة الأولى من التجربة الروائية الشغمومية.
وبين من خلال هذه القراءة كيف عمل السارد على طرح الحكاية بوصفها مشكلا يحاول من خلاله التمرد عليه(الحكاية) وعلى أساليب السرد التقليدية. من خلال الإجراءات التالية:
- رفض السارد المقدمات الطويلة وعدم استساغته تسلسل الرواة دون انقطاع.
- رفضه تقاطعات الحكاية التقليدية، واستطراداتها وانتقالات الجدة من حكاية إلى أخرى.
- التشكيك في صحة حكاية الجدة. وفي ذلك إشارة إلى زيادات الذاكرة وتحويراتها وتشويهاتها للحكاية.
- الإشارة إلى زيادات الرواة.
وذلك بهدف الاختلاف والتمايز عن السارد التقليدي الذي شكلت شهرزاد نموذجا له والتي كانت الحكاية عندها وسيلة للاستمرار في الحياة، لتصير عند السارد وسيلة للموت.
ثم خرج من الحكاية إلى الواقع باحثا عن ما سمعه من أستاذه وجدَّيْه مسافرا إلى قرية المنسية، ليصطدم بتأويلات متعددة للحكاية واختلافها، وليفهم لماذا اختلفت كتب التاريخ حولها، وكذلك باقي الناس، أستاذه، وجديه. إن المنسية هنا هي الحكاية التي اختلف حول صحتها وفي طريقة سردها كل الناس، وتصرفوا في أحداثها، إنها الحكاية التي لا توجد إلا في أذهاننا. لينتهي إلى هدم الحكاية مؤكدا أنها لا توجد إلا في الخيال.
ليستنتج في الختام أن الحكاية كانت تيمة أساسية في هذه الرواية، وموضوعا للتأمل والنقد، إذ راهن الميلودي شغموم على الميتانص منطلقا من الحكاية الشعبية وطقوسها عبر المساءلة حينا، والهدم حينا آخر، بغية الوصول إلى كتابة نص روائي يرفض أن يُصَنف ضمن الأشكال السردية التقليدية.
الورقة الأخيرة في هذه الجلسة كانت عبارة عن قراءة عبد الفتاح الحجمري لرواية " خميل المضاجع بعنوان ( رواية إحساسٍ بِالضّيْق يَعْدِلُ الوحْدانية)(وقد قرئت بالنيابة )عالجت كيف تتخذ الرواية من سيرة علي الرماني سبيلا للتفكير في مصير جيل بأكمله ؛ مصير الوحدانية التي غزت القلوب والبيوت والعلاقات . قد تختلف أسباب هذا المصير الضاغط على الكيان باختلاف الأسباب ، وتبقى لكل واحـــد " ذنوب عظيمة "جارت العقل والكيان ، لحظة ، هي عند محمود " مول اللواني "، وعند الفكاك" الخدامة " ، وعند المهدي " الذكر الذي لن يحمل اسمه " ، وعند مصطفى " المرأة التي تزوج من البار " ، وهي عند علي الرماني " وحدانية " دفينة وعتيقة .
هكذا، تتأكد لشخصيات الرواية أن انقلاب القيم يصبح مأساة حقيقية لا يشكل، ضمنه، الإحساس بالوحدانية إلا لحظة واحدة من لحظات مواجهة مصير مشترك يحصد الخيبة وعدم تقدير المودة واحتقار العواطف.
وأشار الحجمري إلى كون الحكاية في رواية ( خميل المضاجع ) ، تعرض ضمن مشاهدها الحدثية ، إلى لحظتين أساسيتين تعكسان جملة من التقديرات الدالة والمتصلة بموضوع الرواية وفكرتها المركزية : مشاعر الارتباط السعيد والإحساس بالضيق الذي يعدل الوحدانية . اللحظة الأولى وتبرزها المحاضرة التي ألقاها محمد مختار " بقاعة اباحنيني " في موضوع: " هندسة البيوت والحب " ، يضاف إليها القصة التي يرويها للدكتورة ليلى المجاطي ولسائر النساء الحاضرات وللرجال كذلك وعنوانها : الرهن . أما اللحظة الثانية فهي متصلة بالأولى وتمثلها الرسالة التي بعث بها علاّل مختار إلى ولده محمد عقب استماعه للمحاضرة السالفة.
وخلص الباحث إلى أن الرواية تؤكد على صورة الوحدانية ،والتي تنبض بتجربة شخصية لعلي الرماني، تنصهر مع تجربة جيل بأكمله وفئة اجتماعية بعينها . لأجل ذلك ، تتداخل اللحظات وتتشابك اللقطات معلنة عن بنية سردية متدفقة، تخرج كل شخصية من شخصيات الرواية عن صمتها ووحشتها . وهذا ما يقرن البنية السردية لرواية ( خميل المضاجع ) بتوصيف عام، يميز تشخيص الخطابات المسرودة والمنقولة والمعروضة، بصياغة شفوية للغة من الحديث اليومي، تحوّل كلام الشخصيات إلى أفكار نابعة من التجربة سواء تعلقت بالألفة، أو الاتصال الحميم، أو الرغبات الخبيئة.
وكما عرفت نهاية الجلسة الصباحية نقاشات في صميم التجربة الروائية لشغموم وعطاءاتها ، عرفت نهاية الجلسة المسائية نقاشا انصب حول الحكاية والخطاب في مجموع أعمال هذا الكاتب الذي يؤسس لتخييل مغربي ما زال في حاجة إلى حلقات نقدية لاستكناه عوالمه الثرية.
الكلمة كلمتي
|
|
وفي ختام هذا اللقاء أخذ الميلودي شغموم الكلمة ، وقد حرص اليوم كله ، على تتبع كل المداخلات والمناقشات، متحدثا عن علاقته بالرواية والنقد الروائي بالمغرب ، لينتقل الى قراءة مقاطع من روايته الجديدة التي صدرت في نفس اليوم وهي بعنوان (فارة المسك )منشورات الريشة السحرية.2008 مكناس.يعالج فيها تخييليا صفات التنكر والتوهم.تتكون الرواية من 13 فصلا على امتداد 134 صفحة تفتتح بتمهيد بعنوان الجريمة جاء فيه :
"مع نهاية الالفية الثانية تناقلت الصحف الوطنية ، وعلى مختلف صفحاتها ، الخبر التالي :
طبيبة تقتل عشيقها ثم تنتحر
وكالعادة تكاثرت التعليقات ، والتأويلات وتباينت خاصة منذ أن عرف أن القاتلة طبيبة أخصائية ، اسمها سميرة القط ، اشتهرت ، وهي لا تزال طالبة في كلية الطب بلقب زوجة كبار الاساتذة ، وأن القتيل فنان تشكيلي مغمور ، اسمه محمد الذئب ، كان يعيش في باريس ، على حساب النساء ، قبل أن يصبح عشيقها ويعود معها الى المغرب ، ليعيشا معا في بيتها بحي الرياض ، في الرباط.
ثم عادت القضية لتحتل الصفحات ، مرة أخرى ، تحت عنوان لا يتصرف فيه الا نادرا منذ أن التقطه أحد الصحافيين : "جديد القط والذئب ".وذلك بعد أن عثرت الشرطة على مسودة رسالة كان الذئب قد بعث بها الى صديقة له في فرنسا .
16:02 Posted in كتب/دراسات/مقالات/رؤوس أقلام | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this
Saturday, 22 March 2008
الأدب موضوعا للدراسات الثقافية
كتاب "الأدب موضوعا للدراسات الثقافية" هو ثاني كتاب يصدر للباحث والناقد إدريس الخضراوي، بعد كتابه الموازي للمؤلفات المقررة بالسنة الثانية بالكالوريا آداب وعلوم إنسانية (2007-2008) عن دار الحرف.وفيما يلي تقرير عن الكتاب:
|
صدر للباحث المغربي إدريس الخضراوي كتاب جديد بعنوان" الأدب موضوعا للدراسات الثقافية". وقد عني فيه بمساءلة العلاقة المركبة بين النقد والأدب والمجتمع الذي يستوحي منه المتخيلات والأنساق. ويذهب الباحث إلى أن رغبة النقد في التجدد والملاءمة حملته خارج حدود الأدب بالمعنى المتداول، ليغامر بارتياد تخوم الثقافة. وفي سياق هذه المغامرة اختبر النقد منهجية جديدة هي الدراسات الثقافية بتياراتها المتعددة ومنها النقد الثقافي. ولعل أبسط تحديد لها هو العناية بفك الأنساق التي تحملها الخطابات الأدبية والثقافية، والعمل على فهمها وتحليل علاقاتها بالسلطة والهيمنة والقوة والمقاومة. ويرى الباحث بأن هذا التوجه انبثق بسبب الاختزال الواضح للظاهرة الأدبية من قبل المناهج التي تأثرت بالبنيوية الفرنسية، حيث انطلقت من مبادئ ومسلمات لسانية لوصف الخطاب الأدبي، مما فوت عليها فرصة الانخراط في اجتراح أجوبة جديدة عن أسئلة جوهرية بدا أن لا مناص لأي نظرية من أتواجهها. يتألف الكتاب من مدخل عام حمل عنوان: الأدب وتعدد النظريات النقدية، وفصلين اثنين: الأول بعنوان: الدراسات الثقافية والأدب، والثاني بعنوان: بين القراءة ونقد النقد، وخاتمة.
|
12:20 Posted in كتب/دراسات/مقالات/رؤوس أقلام | Permalink | Comments (6) | Trackbacks (0) | Email this
Thursday, 08 February 2007
جائزة المغرب للكتاب صنف الدراسة الأدبية لمحمد الداهي
فاز الباحث والناقد المغربي محمد الداهي بجائزة المغرب للكتاب في مجال الدراسة الأدبية عن كتابه "سيميائية الكلام الروائي"، إلى جانب أدباء ومفكرين مغاربة آخرين .
وفيما يلي نبذة مقتضبة عن المسار الحياتي والعلمي والمهني لمحمد الداهي:
تاريخ ومكان الازدياد: 28-07-1961 بشفشاون
المهنة: أستاذ جامعي-كلية الآداب بعين الشق ( جامعة الحسن الثاني).
-دكتوراه الدولة في الآداب سنة 2002: تحليل سيميائي-تلفظي للخطاب الروائي العربي الجديد ( محاولة لإعادة الكلام الروائي سيميائيا) تحت إشراف الدكتور محمد مفتاح والدكتور مصطفى شاذلي.
المؤلفات:
1- القراءة المنهجية للنص الحكائي.
2-دينامية الإقراء.
3-شعرية السيرة الذهنية.
4-عبد الله العروي: من التاريخ إلى الحب(حوار).
5-النقد المغربي: واقع ورهانات.
6-تدريسية النص المسرحي (تنسيق).
7- التشخيص الأدبي للغة .
8-سيميائية الكلام الروائي.
المقالات والدراسات:
نشر دراسات ومقالات في أهم المجلات العربية: كتابات معاصرة، الثقافة المغربية، علامات في النقد، كتابات معاصرة، عيون المقلات، البحرين الثقافية، عالم الفكر، ثقافات..الخ.
22:45 Posted in كتب/دراسات/مقالات/رؤوس أقلام | Permalink | Comments (2) | Trackbacks (0) | Email this
Wednesday, 17 January 2007
رواية "نساء في صمت" لنفيسة السباعي
بعد ترجماتها الموفقة لمسرحيتي "قاضي الظل"و"تمارين في التسامح" لعبد اللطيف اللعبي ، و"امرأة ليس إلا.." لباهية الطرابلسي، تستهل الأديبة والمترجمة المغربية زهرة رميج هذا الموسم الثقافي الجديد(2007) بترجمة رواية كتبت أصلا باللغة الفرنسية بعنوان "نساء في الصمت"للكاتبة المغربية نفيسة السباعي ( أم المخرجة المغربية نرجس النجار،وهي التي كتبت مسودة سيناريو "العيون الجافة"). وقد صدرت الرواية ضمن منشورات المركز الثقافي العربي . تتكون الرواية من 175 صفحة من الحجم المتوسط ، تتضمن خمسة عشر فصلا (توطئة/ شاطئ المنسيين/ نعناع الريف/ حفل العار/ المحاكمة/ الشباب بين النسيان و الانحراف/ الشيخة إيمي زهرة/ المنسيات إلى الأبد/ السبتاوية "المهربة"/طفلة الخطيئة/ليلة الغموض/ ابنة الفقيه/ أين يوجد الناس الأحرار في تفكيرهم؟/ حكاية صندوق الأسرار/ خاتمة).
وكما هو واضح فإن هذه الرواية تستمد أجواءها من بيئة الشمال المغربي (الريف، جبالة ، تطوان، طنجة) وما تزخر به من مشاكل وعوالم مختلفة .وقد جعلت الروائية من تاريخ ما بعد الاستقلال منطلقا لسردها ، تقول :" لم تخرج الأغلبية الساحقة من الفتيات المغربيات اللواتي ولجن المدرسة قبيل الاستقلال، سالمات من فترة مراهقتهن. ذلك أن سلسلة من الجراح الجسدية و الصدمات النفسية واكبت خطواتهن الأولى في الحياة، فلم يكن لهن من حرية التصرف سوى المظهر. كانت المحرمات تقيد، بشكل صريح أو مبطن، أبسط حركاتهن. كانت أفكارهن و أجسادهن عرضة للكلام الجارح و الحركات المهينة و القوانين التي تدين أي سلوك متحرر يقمن به.
و كما هو الشأن بالنسبة للكثير من النساء الضعيفات و المتواريات عن الأعين، فقد ورثت كل من كاميليا و إيمي زهرة و أمينة قدرا هائلا من المحرمات في مجتمع يجد نفسه موزعا أكثر فأكثر، ما بين الحداثة و التقاليد القديمة. مجتمع لا تزال فيه العديد من النساء و الفتيات يعانين من الأمية، و يتعرضن للاستغلال و هدر الكرامة الإنسانية، و يعشن على هامش التطور. فتيات و نساء مكممات الأفواه من طرف فئة تحتل المناصب المريحة و تسن القوانين التي تفرضها على نصف سكان البلاد. هذا الوضع المغلف بالصمت، يجعل شريحة عريضة من الشباب تندفع وراء الخطابات المتطرفة التي تروجها و بكل براعة، حفنة من المرضى بهاجس السلطة. لقد أصبحت تلك الشعارات الخادعة، والمرفوضة كنمط للتفكير و السلوك، البديل الوحيد للجمود الذي تتخبط فيه الحكومة حاليا."
والواقع أن الجروح التي خلفتها مرحلة ما قبل الاستقلال على أجساد النساء وأرواحهن لم تندمل لحد الآن . فمن خلال كاميليا وإيمي زهرة وأمينة وغيرهن تسافر الروائية في عالم مليء بالمحرمات ، مشتعل بل محتدم بالخطوط الحمراء شأن العادات التقليدية المغربية المتصلبة ، وذكريات الاغتصاب والخيانة وعالم المومسات وعالم الحمامات .
إن رواية "نساء في صمت" هي ملحمة العذاب والمعاناة تجمع بين الاستبطان والوصف الموضوعي والتلميح والإدانة متوسلة بتقنيات أسلوبية متنوعة ، عاملة على دمج أجناس متخللة كاليوميات والرسائل والأشعار الريفية الحزينة :
أيتها الكرامة، أنت نورنا الداخلي،
أيتها العدالة، أنت الأمل الأبدي،
أيتها النساء المغتصبات، أيتها النساء المعنفات
أيتها النساء المكممات الأفواه،
أطفالكم، هم أيضا أطفال العالم:
أطفال منفيون على أرصفة الضواحي و مدن الصفيح،
باحثون عن التفهم،
أطفال تجسد لهم كلمتا "الكرامة" و "العدالة"،
في لحظات هاربة،
في عالم التمزق و الفطام،
صورة عالم مسؤول !
هؤلاء الأطفال هم أطفال تحدياتنا،
الأطفال الذين ولدوا في الغموض و عدم التفهم
و يحاولون شق طريق التسامح
في ظل تعدد اللغات و الأديان و الثقافات.
ستصنع إيتري كل سنة، لابنها قيس و لأيتام العالم
تاجا مرصعا بالنجوم الخضراء
تاجا من التصالح
داخل الحدائق الخمسة للأخوة.
و توجه كل سنة في شهر نوفمبر،
كتحية للغائبين،
تاجا أحمر مرصعا بدم الشهداء.
إن رواية نساء في صمت تستعيد أجواء القمع في كل مكان من المغرب وتشد الرحال لأصغر المناطق من أجل وضع الأصبع على جروح تزداد كل يوما غورا وتخثرا، فمن منطقة الريف، وصولا إلى مرزوكة مرورا ببني مكادة وطنجة تنضج عوالم شفيفة لكنها تحمل صوتها المميز الداعي إلى الثورة والتغيير والبحث عن عوالم أفضل. ونظرا للصدق العاطفي الذي يميز بعض فصولها ، فإن رواية "نساء في الصمت" تعج بالأصوات المنددة الداعية إلى القطع مع مخلفات مرحلة ما قبل الاستقلال ومابعده .إنها رواية الريف والمدينة والشمال والجنوب والنساء والرجال .وقد سمحت قراءتها لي بتذكر كثير من مشاهد فيلم نرجس النجار"العيون الجافة "حتى وإن كانت المخرجة قد بأرت على عوالم النساء فقط ، مع أن المعاناة لا لون لها ولاجنس .
متعة قراءة "نساء في صمت" تأخذ كثيرا من ميزاتها من الترجمة العربية الرائعة . ونظرا لتشابك الكتابة والترجمة في حياة الأديبة زهرة رميج فقد خرج لنا نص روائي يجمع بين قوة الحدث وتشابك الشخصيات وعمق التحليل النفسي والاجتماعي ، مع ما يرتبط بذلك من حبكة محكمة وتنوع أسلوبي يتميز بالتنوع في سجلات القول والأجناس المدمجة .
قراءة "نساء في الصمت" للكاتبة المغربية نفسية السباعي ـ وترجمة زهرة رميج رحلة لاينوب فيها أحد عن أحد.
11:00 Posted in كتب/دراسات/مقالات/رؤوس أقلام | Permalink | Comments (45) | Trackbacks (0) | Email this
Wednesday, 08 March 2006
الميثاق الروائي في رواية"مهاوي الحلم"
نعتزم ،في هذه الورقة،الحديث عن مصطلح جديد أطلقنا عليه:"التلقي الداخلي للنصوص الأدبية"آملين من ورائه التنبيه إلى قوانين خطابية روائية يهملها أصحاب التلقي /تلقي النصوص الأدبية.ونقصد بالمصطلح أعلاه مجموعة من القوانين والمسطرات الخطابية التي تساعد المتلقي على أن يفتح حوارا نص-نص.صحيح أنّ هذا المفهوم لن يغيّر من أوضاع التلقي داخل النص ،وصحيح كذلك ،كما يقول بذلك أصحاب التداولية الأدبية ،أن صلاحية مثل هذا المصطلح محدودة خاصّة إذا علمنا أن مؤلف النصّ ومتلقيه لن يحافظا على الأشياء كما هي،لأنّ المتلقي لن يكون بإمكانه التدخل لتغيير نظام هذه الأشياء مادام النصّ منتهيا.كما أن الحديث عن "التلقي الداخلي للنصوص الأدبية" قد يفهم منه أنه اعتراض على التداوليين وأصحاب نظرية التلقي،من حيث أنه حديث عن قوانين الخطاب في إطار التواصل الأدبي،وإقصاء لوضعية المتلقي السياقية عند الحديث عن مسطرات نصية –داخلية بينما ينتعش التلقي خارج النص ،أي أنه نشاط يلي نهاية الكتابة وانسحاب المؤلف إلى الخلف،خلف شاشة النص.إنّ التمترس خلف مسطرات الخطاب لا نقصد منه أي اختزال أورثودكسي لعمل المحلل الأدبي،وكل ما نرمي إليه هو أن نبيّن أنّ الدينامية التلفظية في النص الروائي قادرة على الإعتماد على مسطرات الخطاب دون الانغلاق خلفها.إنّ الرواية ،باعتبارها خطابا، لا يمكنها أن تندسّ خارج متطلبات "مبدإ التعاون" أو "قانون التوجيه الصيغي"(Modalitiés )،كما أن الرواية باعتبارها نشاطا أدبيا فهي تخضع لاقتصادها التخييلي الخاص،أي علاقتها كجنس أدبي يشيد روابط خاصة بالاستعمالات غير الأدبية للخطاب.
1- من الجنس الأدبي إلى العقد الأدبي:
تطرح مشكلة الجنس الأدبي ،بالنسبة لنص 'مهاوي الحلم'، أهمية قصوى .فأهمية الجنس الأدبي لا تطرح ،فقط، باعتبارها معيارا للتفسير ولا للتحليل، بل باعتبار الجنس الأدبي حدا يظهر مدى تطابق المؤلف معه أو اختراقه .واختراق الجنس الأدبي هو نوع من التعبير عن عقد جديد بين المؤلف والمتلقي في إطار التبادل اللفظي بينهما.
نقر أن الرواية ،في صورتها النمطية ،تقتضي ،من بين أمور أخرى، تسلسلا واتصالا ،بكيفية من الكيفيات،لدرجة أن الرواية تصبح لها بداية ونهاية ،على الأقل، في صورتها المادية المتحققة.والقارئ ،في مقابل هذا التسلسل ،مطالب بضرورة الانتباه إلى صيرورات المحكي وتمفصلاته .ورواية "مهاوي الحلم" لا تقدم لقارئها غير عناصر الالتباس والصور المضاعفة للميطا-خطابات والإحالات –الذاتية.والرواية ،كنتاج تعاقدات وتفاعلات شتى، أشبه بالساندويتش السويسري"التشيز" نتلذذ به ولا نأبه بمكوناته لأن المهم أن نجد شيئا لذيذا.والرواية هي هذا الخليط المعجون بعناية (وقائع خاصة ،وقائع عامة، استيهامات،خطابات متخللة،سرود ذاتية،سرود محمولة الخ) في غياب القارئ ،مستهدفا تحقيق أجمل الملذات والمنافع لذات المتلقي.فنحن هنا بازاء مفهوم "تقليد ضمني" متجدد في أن تتحدث الرواية إلينا ,أن يكون دورنا كقراء تلقي هذا التمرين.فالمؤلف لا يترك أي مناسبة إلاّ ويستثمرها للكشف عن ذاته ،وكأن فعل الكتابة هو أن يتحدث المؤلف ويصمت المتلقي.ففي الفصل الأول المعنون بـ"في بحر النسيان" (وهو فصل يحبل بالإشارات والرموز) تواجهنا رغبة جامحة لدى ذات المحكي بأن ترى وترى،وتؤول .والحقيقة أن هذا الفعل السردي ليس غريبا على مؤلف راهن منذ البداية على تحويل الكثير من تعاقدات الفعل الروائي،والرغبة في أن يتمثل المتلقي فعله ويتقبلّه ويؤوله.وهذا ما يجعلنا نستنتج أن خصائص الجنس الأدبي ليست كافية ،دوما، لتحديد المواثيق الأدبية الممكنة ما دام أن النصوص الأدبية قادرة ،هي الأخرى، على إحداث مواثيق خاصة.ويمكن أن نصنف العقد الذي تتوخاه"المهاوي" في إطار النصوص التي تعيد ترتيب هذه المواثيق بدمج العديد من الأجناس (التخييل الذاتي(Auto-Fiction)- الغرائبي-الشعري-الأمثال،الخ) بكيفية ساخرة.وفي اللحظة التي لا يحترم فيها المؤلف قوانين الجنس الأدبي فليس لكي يؤشر على عدم احترامه لقيود الجنس ،بل لخلق نمطه الخاصّ.والأهم من ذلك أن ليس المعتبر به مدى انتماء المؤلف إلى جنس دون غيره ،بل إن المهم كيفية معالجة المؤلف نفسه لعلائق نصه بهذا الجنس أو ذاك.وهذا الإجراء هو ما يلاحظ بالنسبة لـ"مهاوي" محمد عز الدين التازي في علاقتها بجنس الرواية،لأنه مؤلف يريد ،في آخر المطاف،أن يكون عملا أدبيا.
2- تقديم العمل الأدبي :
من ناحية ثانية نجد أن "مهاوي الحلم" لمحمد عز الدين التازي من صنف الروايات التي تحكي بنهم واضعة تحت أعين المتلقي إمكانات شتى لتأويلها والتسلل إلى عوالمها السردية والحكائية والتخييلية والخطابية :كل فصل بعنوان ،وكل عنوان يساهم في إيلاج المتلقي واستدراجه تارة بمودة وتارة بعنف:
*"مضت الأيام الثلاثة الأولى ،وفي اليوم الرابع حدث ذلك الحادث الذي كان قد قادنا إلى الذبح"(ص.6)
*"لولا حسن تدبيري[تقول ربيعة،زوجة يوسف] لما كان يوسف قد قبل بهذا السفر.رجل منكود.حياته نكد.لا يحب السفر .لا يضحك .لا يتبادل الحديث مع الناس كباقي عباد الله.نصفه ميت ونصفه الحي لا فائدة ترجى منه"'ص.16)
*"لعلها أيام أوليال ،أو بعض الأسابيع أو الشهور كانت خلالها ربيعة شمسا وقمرا ونسيانا للمواجع والجراح…"(ص 26)
والمؤلف بهذا يمنح للقارئ كثيرا من إمكانات القراءة لكنه يغرقه في التفاصيل.فيأخذ فعل الكتابة ،كما أشرنا سابقا، مدلول أخذ فعل الكلام وفق سؤال :ماذا علي أن أقترح على الجمهور ؟فيكون هذا السؤال هو المبرر لأخذ الكلام،ولكن بشكل مترفع،لأنّ المتكلم الوحيد هو المؤلف.ووضعية محمد عز الدين التازي لها قيمة تمثيلية لكثير مما يكتب ،اليوم،بالمغرب.
فالإستراتيجيات التي يستثمرها المؤلف للتخفيف من خطر المتلقي كثيرة،خاصة وأن الآخر ليس ،دوما، جنة موعودة.فالتكلم إلينا وتبرير هذا الكلام هما أمران لا ينفصلان بتاتا:( الإهداء-التعليق على النصوص المتخللة-الكتابة شعرا-الإستشهادات).ففي أحد الإهداءات كتب التازي:"…لك هذه المهاوي ،فلعل رموزها تنفك أمام قراءتك الحاذقة".فالمؤلف ،في هذا الإهداء، يفترض أن نصه يمكن أن يذهب ضحية لا مبالاة المتلقي لهذا يحميه بكونه حاملا لإحالات تقتضي تفكيكا وترميزا ،وفي المقابل يحدد صورة متلقيه كونه"حاذقا".فإذا نجح المؤلف فإن المتلقي سيكون رهينة الكاتب.وتتعاظم أهمية العناوين ،بشكل مثير ،في نص "المهاوي"،كإجراء مضاعف يحقق من ورائه المؤلف غايتين:
1- تبرير فعل الحديث إلى الجمهور. 2-حماية المؤلف من التآويل المختلفة.
ولقد علمنا درس لسانيات النص وتحليل الخطاب أن العنوان هو تلخيص للنص دون معجم.وكل تلخيص هو تأويل .وهنا تغدو العناوين تأويلات المؤلف لنصه ولكن بوعي ذات ثانية.فرغم تقديم النص على لسان متلفظين كثر (الراوي السيميائي-يوسف-ربيعة…)فإن هوية المتلفظ تبقى مباشرة لكون الفكرة التي لا تقبل الجدل ،لدى الجمهور، هي أن أي فعل تلفظ ،بمنأى عن وضعيته النصية، هو ،في آخر المطاف،كلام "الباث"/الذات المتكلمة/المتلفظ.
3-الميطا- خطاب المستحيل:
ومن صور هذا الكلام ،التعليقات المبثوثة في النص التي تسمح للمؤلف بموضعة مؤلفه في علاقة بقوانين الخطاب.كل هذه التعليقات هي جزء لا يتجزأ من النصّ .والتبريرات المبثوثة ،هنا وهناك، في "المهاوي"، هي إجراءات يرمي المؤلف ،من ورائها، إلى إضفاء نوع من الشرعية-الذاتية((Auto-légimitation) على المؤلف ككل.وكل خطاب حول القول الروائي هو جزء من هذا القول.فبين "في بحر النسيان"(صص5-14)و "الرجل الذي يصعد وينزل "(صص 15-23) لا يمكن الوقوف عند فعل حكي تناوبي (كيف يحكي يوسف قصته وكيف تحكي ربيعة القصة من منظورها الخاص) ولا تنويع الضمائر والمنظورات ،بل نحن أمام ميطا-خطاب سردي غير معلن :تحقيق بوليفونية ما ،ومن زوايا مختلفة.وهذا الإجراء رغم بساطته هو تأويل نهائي للنص يتم وفق إرادة الراوي السيميائي بعيدا عن أي فصل بين التخييل والميطا-تخييل.فاللغة لا يمكن أن تكون شفافة ،في كل الحالات،وليست ،دو





